واقع الصورة في الكتاب المدرسي الجزائري
بقلم الفنان التشكيلي الجزائري : أبوبكر علال
أرقام مخزية ومؤلمة نسمعها عن معدل القراءة والمطالعة في الأمة
العربية, وفي الجزائر على وجه الخصوص, حيث جاء على لسان الوزيرة السابقة خليدة
تومي حول عدد الكتب الموجود في المكـــــاتب الجزائرية هو 15 مليون كتــــاب و بعملية
حسابية بسيطة نجد أن نصيب الفرد الجزائري من الكتاب هو نصف كتاب في السنة وهذا
الرقم هو بعيد كل البعد عن المعدل العالمي والذي يعطي لكل فرد أربع كتب, في وقت
تشير الإحصائيات العالمية إلى أن معدل القراءة في العالم العربي هو ربع صفحة بينما
يصل متوسط القراءة للفرد الأمريكي 11كتاب والبريطاني 07 كتب ...الخ.
ولتشخيص هذا الداء لابد من معرفة المسبب الحقيقي وراء هذه المعضلة
التي انتشرت الى حد الوباء, حيث أصبح فعل القراءة لدى المواطن البسيط من أثقل
الأشياء, ناهيك عن المثقف الجزائري, إذ لا يمكن فهم المعضلة دون العودة إلى
السنوات الأولى التي زرعنا فيها قيم العزوف على الكتاب سواء أكان ذلك عن قصد أو
غير قصد, هذا الجيل الذي وضع أخر شيء في برنامجه اليومي هو قراءة وتصفح كتاب ورقيا
أو حتى الكترونيا ؟.
لقد انعكست هذه الظاهرة السلبية على
إنتاج الكتاب على المستوى المحلي, أقل ما يقال عنها أنها جد ضعيفة, وترك
فراغ كبير في الساحة الثقافية مما ساعد على انتشار دور النشر التي تقوم باستيراد
الكتب بغثها وسمينها, وهذا ما أدخل البلاد في فوضى فكرية عارمة لا تلبي مشروع
التنمية المحلية للبلاد, حيث كادت هذه الأزمة أن تعصف بالأمة الجزائرية و المصطلح عليها بالعشرية السوداء, وكل هذا حدث
عندنا للسبب بسيط جدا وهو: أننا لم نكون قارئ جيد ومهم يفرض متطلباته الفكرية على
السوق فيجبر المؤلف على التأليف ويجبر الناشر على النشر.
إن هذه المعادلة الثقافية لا يمكن أن نخل بأحد عناصرها لأنها مرتبطة
فيما بينها إلزاما, بكل بساطة لا يمكن أن نصنع قارئ جيد ما لم نهتم بغرس قيم
المطالعة والقراءة لدى الطفل منذ السنوات الأولى التي ينشأ فيها, خاصة في السنوات الستة الأولى, حيث
تشير الدراسات أن الطفل في هاته المرحلة له فضول كبير جدا في التعلم, وبالتالي كم
هائل من الاستيعاب للمعلومات التي تفوق 5000 مفردة في السنة و150 مفردة للشخص
البالغ فقط, لذا نجد في كثير من الدول تدرس ألة السوربان ، الخاصة بالحساب أو كما
يحب أن يسميها البعض بالحاسبة اليابانية للأطفال أو الجمباز العقلي في هاته
المرحلة الجد حساسة في تكوين الشخصية السوية للطفل, دون أن نهمل طبعا المحتوى
والمادة المقدمة للأطفال في هذه المرحلة دون التغاضي عن الطريقة والمنهجية
والأسلوب الذي تقدم فيه هاته المادة وذلك قصد جعل عملية الاستيعاب للمعلومة جد سهل
وسلس, وكما يقول المثل الصيني إذا أردت أن
تعرف مستقبل أمة فأنظر إلى ما يقرئه أبنائها.
وقبل الحديث عن عدد المكاتب في الجزائر و المسببات الحقيقية لهاته
الظاهرة التي أنزلت المشهد الثقافي الجزائري إلى الحضيض وقبل الوصول إلى كيفية رفع
مستوى المقروئية في الجزائر لا بد من العودة إلى الأسباب الحقيقية في عزوف المجتمع
عن فعل القراءة والمطالعة اليومية, التي يعتبرها المتخصصون بمثابة غذاء للروح والفكر على حدا سواء.
في هذا الفقرة سنتكلم عن سبب رئيسي والذي قل ما نسمع عنه الوزارة
تتحدث عنه ألا وهو واقع الصورة والإخراج الفني للكتاب المدرسي في الجزائر وهذا
المشكل يعتبر من أهم الأسباب في جلب انتباه الطفل لمحتوى الكتاب وذلك باعتبار أن
الطفل ينجذب للصورة في الكتاب أكثر من انجذابه للنص في السنوات الأولى من حياته الدراسية,
حيث نجد كتب الأطفال خاصة في المستوى الابتدائي شبه جافة من الألوان والرسومات
التي تساعد الطفل على تنمية ذاكرته التخيلية للأشياء, للعلم فقط إن كتب الأطفال
المدرسية التي كانت تطبع في فترة الثمانينات أفضل بكثير من حيث الثراء والخيال, من
الكتب التي ظهرت في بداية التسعينات سواء من ناحية المحتوى أو جودة الصورة ومستوى
الرسم الذي يحترم سن الطفل أو في كيفية توظيف الألوان المستعملة في التصميم بحيث
تجد الخامات اللونية غير منسجمة مع النص والتي من شأنها تحفيز التلميذ على مواصلة
المتابعة لمضمون الكتاب الذي نضعه بين ناضريه دون أدنى احترام لبراءتهم الفطرية التي تستقبل كل ما
يوضع بين أيديهم بدون تميز.
إن المكتبات في الجزائر لا تزال
تحبوا ولا يمكن محاسبتها على تراجع المقروئية حتى تبلغ سن الرشد, فرغم المجهودات المبذولة من طرف الدولة حيث عملت الوزارة إلى غاية جانفي 2015 على
انشاء 41 مكتبة رئيسية للمطالعة العمومية على مستوى الولايات, و بخصوص أنواع
الكتب الأكثر إصدارا استدل مدير المكتبة الوطنية بشهر ماي الأخير حيث تشير الإحصائيات
إلى أن 18 % من الكتب المنشورة هي كتب مدرسية ومن 3 الى 15 % من كتب التاريخ و
الجغرافيا والترجمة و 12 % من الكتب الدينية و 10 % فقط للخيال, ولكن رغم
ذلك تبقى الجزائر تتذيل الترتيب العالمي للقراءة والمطالعة الخاصة بالطفل شأنها
كشأن العالم الثالث وخاصة الدول العربية هذا إذا استثنينا بعض الدول العربية التي
حققت مكاسب كبرى في هذا المجال مثل دولة قطر والإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة
العربية السعودية.
إن مسألة تشجيع وتعويد الطفل على القراءة تعد
من الأمور المعقدة في حياة الأسرية، خاصة في مجتمعاتنا العربية، إذ يشير تقرير
لليونسكو إلى أن معدل قراءة الأطفال في العالم العربي خارج المنهاج الدراسي 6% في
السنة، فيما يقرأ كل عشرين طفلاً عربياً كتاباً واحداً سنوياً، فان الطفل
البريطاني يقرأ سبعة كتب، والأميركي أحد عشر كتاباً، أي لا يزيد الوقت المخصص
للقراءة والمطالعة عند الطفل العربي ( دون احتساب وقت القراءة المدرسية ) عن ست
دقائق في العام. أما عن حجم الكتب المخصصة للطفل العربي فهو ( 400 كتاب في العام)
مقابل 13260 كتاب في السنة للطفل الأمريكي و 3838 للطفل البريطاني و2118 للطفل
الفرنسي و1485 للطفل الروسي...الخ ففي سنة 1996 من شهر أبريل بدولة بولونيا
لمعرض الكتاب الدولي السنوي الخاص لكتاب الأطفال والتي فازت فيه دولة إسرائيل
بجائزة أحسن كتاب في المعرض الدولي للكتاب من خلال الكاتب يوري أورليف بجائزة
أندرسون العالمية في أدب الطفل والذي تناول فيه أحداث تعذيب البولنديين خلال الحرب العالمية الثانية, وهذه الجائزة هي
تعادل جائزة نوبل, حيث كان تاريخ تقديمها أول مرة في عام 1956 علما أنها تمنح كل
سنتين وهذه هي المرة العشرون التي تمنح فيها والتي فازت فيها دولة إسرائيل على 23
مرشحا من إنحاء العالم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق