فلسفة الألوان
في الحياة اليومية للمواطن الجزائري
بقلم الفنان التشكيلي ألجزائري : ابوبكر علال
قبل الحديث عن المجتمع الجزائري وعلاقته النفسية بعالم الألوان في
العصر الحديث, علينا أن نعرج على المؤثرات التاريخية التي كان لهى الباع الكبير
خاصة من ناحية اللباس التقليدي والطراز المعماري الذي استطاع أن يحافظ على هوية
الشعب الجزائري رغم المحولات لطمسه إبان الفترة الاستعمارية وفي ضل التحديات
المعاصرة أو بما يعرف بالعولمة الشرسة
التي تعاني منها تقريبا كل البلدان السائرة في طريق النمو خاصة الحديثة العهد
بالاستقلال.
إن الزخم الحضاري الذي يعبر عنه اللباس التقليدي الجزائري الذي لم
يشفع له أمام أباطرة الاستيراد في الجزائر, خاصة إذا علمنا أنه مازال يخضع للبساطة
الحرفية في الصناعة اليدوية ولم يطرق
أبواب الآلة الصناعية المحلية وانحصاره بين الأيدي التي أنهكتها السنين وأخذت منها
القسط الوافر من العطاء, من فعل الزمن والإهمال المتعمد في كثير من الأحيان , جعله
عرضة للاندثار والنسيان, خاصة في الزمن الذي نعيشه اليوم الذي لا يرحم الضعفاء, القائم
على سياسة ذوبان الكل في الجزء أو الجزء في الكل أو بما يعرف بالعولمة.
إن رمزية الألوان والأشكال الزخرفية في اللباس التقليدي الجزائري الأصيل, القشابة والبرنس والحجاب والحايك والملاية والكاراكو والقفطان واللباس التلمساني الأندلسي الأصيل والحولي السوفي واللباس الشاوي والفرغاني والعلاوي و الوهراني والقبائلي والمزابي والتارقي ...الخ، كل هاته الفسيفساء التراثية من الألوان شكلت زخما فريدا من نوعه قل ما نجده مجتمعا في بلد أخر من المعمورة, وجب المحافظة عليه بكل الأشكال, لأن المحافظة عليها ما هو إلا المحافظة على الهوية الوطنية التي أصبحت تعاني من الكثير من التلاعبات والتجاذبات السياسية
المنطلقة من خلفيات فرانكفونية, وكما يقول الدكتور عابد الجابري عن مفهوم الهوية الثقافية ( هي تعبير عن الحاجة إلى الاعتراف والقبول والتقدير للإنسان كما هو في تفرده وتميزه. ففي الهوية الثقافية تشتغل جدلية الذات والآخر وتعيد كل جماعة بشرية تأويل ثقافتها من خلال اتصالاتها الثقافية، أو قد تنزع نحو المثاقفة - وما يشبهها... وهي كذلك كائن جماعي حي يتحول ويتغير من الداخل على ضوء تغير المصادر القيمية والسلوكيات، ومن الخارج بفعل أشكال التأثير الخارجي الناتج عن علاقة الفرد بالمحيط ... وأيضا "كيان يصير، يتطور، وليست معطى جاهزا ونهائيا. وهي تصير وتتطور، إما في اتجاه الانكماش وإما في اتجاه الانتشار، وهي تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم، بانتصاراتهم وتطلعاتهم، وأيضا باحتكاكها سلبا وإيجابا مع الهويات الثقافية الأخرى التي تدخل معها في تغاير من نوع ما ). أعتقد أن الثغرة المتعلقة بالتنمية المحلية في مناطق الجنوب الجزائري ومناطق الهضاب العليا بالقدر ما هي سلبية في كثير من النواحي هي أيضا إيجابية من نواحي أخرى, خاصة على مستوى العادات والتقاليد والحداثة العمرانية التي لو أتت لأتت على الأخضر واليابس إلى هذه الولايات العذراء حيث ستفعل فعلتها النكراء بدون حياء، كما شوهت الكثير من المدن الكبرى الأخرى مثل ولاية الوادي التي اختفت فيها مظاهر البناء التقليدي المنطلقة من أبناء الولاية التي أعمتهم أشكال المباني الأوروبية الحديثة, بسبب غياب التوعية والثقافة المحلية ناهيك عن رؤية وطنية واضحة في هذا المجال, حيث الطابع العمراني التقليدي لا يبنى إلا من طرف الدولة مع كل أسف, وأن كانت تلك المباني المنجزة تنجز في شكلها الحديث اليوم, إلا أن الروح التي كانت موجودة بها بالأمس أصبحت غائبة إلى حدا كبير جدا مثل الحوش العربي أو الصحن الموجود في كثير من المباني ذات الطرازوهذا المفهوم يدفعنا إلى وضع إطلالة ولو سريعة على تأثير الفراغ العمراني على مقومات الهوية الوطنية وكيفية المحافظة عليها من الاستلاب الثقافي.
الأندلسي بالعاصمة, وذلك بسبب الاقتصار على التصميم من طرف المهندسين على الشكل الخارجي للمبنى وإغفال المضمون الداخلي الذي أفقده الروح الحميمية, التي يتميز بها رجل الصحراء السوفي القديم أو القعدة العاصمية ...الخ, وغير ذلك من التراث المحلي الذي بدأ في الضمور والتلاشي مع كل أسف, لأن: قراءة الماضي لا تتم فقط بالحفاظ على هذا المبنى أو ذاك , وإنما مفهوم الفراغ العمراني يكون من حيث المقياس والنسب الهندسية وصورة الشارع وتفصيل الحجوم والعلاقة بين الكتل المصمتة والفراغات وفوق كل ذلك العلاقات المتبادلة بين العام والخاص....[1], فالبناء العمراني قبل أن يكون تنمية عمرانية فهو روح ثقافية عميقة وجب على الدارسين والمهتمين بشأن التنمية المحلية الاهتمام بها, قبل وضع أية حجر أساس لأي مشروع تنموي, لأن الأصالة والحادثة هما عنصران من الصعب التوفيق بينهما ما لم تكن هناك فلسفة قائمة على رؤية واضحة وشاملة في التنمية, خاصة على مستوى الفكر الإنساني, لأن التراث في هذه المناطق مازال يتخذ الشكل الخام النادر الوجود, وجب التعامل معه بطريقة خاصة تراعى فيه كل المعطيات التاريخية وكل المستجدات المعاصرة على المستوى الفكري والمتطلبات المعيشية الحديثة, لأن التراث المادي أو التراث الشفاهي ما زال يملك ذلك التأثير السحري في كثير من العادات اليومية خاصة الأعياد الدينية للمواطن الجزائري في هذه المناطق العذراء تنمويا, حيث نجدها بالرغم من صعوبة العيش إلا أن تأثيره على مفهوم الهوية الجماعية وروح الانتماء قوي جدا في هذه المناطق من الوطن, عكس ما نشاهده في المدن الساحلية, وقصور بشار خير مثال على ذلك,[1]
معين جابر عضو هيئة
أكاديمية الهندسة المعمارية http://www.birzeit.edu/ar/blogs/lhwy-lmmry-fy-lthqf-lmrny

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق